السيد عباس علي الموسوي
326
شرح نهج البلاغة
الشرح ( وأما الأغنياء من مترفة الأمم فتعصبوا لآثار مواقع النعم فقالوا : « نحن أكثر أموالا وأولادا وما نحن بمعذبين » ) المترفون قوم أعطاهم اللّه من فضله فبدل أن يشكروا النعمة كفروها وأفسدوها وخرجوا عن حدود اللّه ، ولم نجد مترفا يلتفت إلى اللّه إلا بمقدار ما يخدمه ويوفر له من منافع ، فهؤلاء نظروا إلى المال والأولاد وهي مواقع النعم فتركت هذه في نفوسهم آثارا سيئة قبيحة وهي البطر والغنى والخروج عن المرسوم فراحوا يتعالون على الناس ويقولون : « نحن أكثر أموالا وأولادا وما نحن بمعذبين » نحن أكثر أموالا وأولادا لكرامتنا عند اللّه وقربنا منه وهو لن يعذبنا أبدا . . . لقد راحوا يرسمون لأنفسهم بأنفسهم طرق النجاة ويذهبون إلى أن مجرد وجود الأموال بأيديهم أو الأولاد عندهم هو كرامة لهم ولم ينظروا إلى أن الكرامة هي أن تقع الأموال موقعها . . . والأولاد أن تربيهم وتؤدبهم وتهذبهم وتحملهم على طاعة اللّه . . . إنهم أغبياء في دعواهم . . . وأغبياء فيما يكون خلفها وما تتركه عليهم من آثار سيئة . . . ( فإن كان لا بد من العصبية فليكن تعصبكم لمكارم الخصال ومحامد الأفعال ومحاسن الأمور التي تفاضلت فيها المجداء والنجداء من بيوتات العرب ويعاسيب القبائل بالأخلاق الرغيبة والأحلام العظيمة والأخطار الجليلة والآثار المحمودة ) بعد أن نهاهم عن العصبية البغيضة المحرمة التي لا مبرر لها كاللون والجنس أراد أن يفتح لهم بابا يتعصبون له وهو محمود مقبول بل مطلوب فأشار عليهم أنهم إذا أرادوا أن يتعصبوا فليتعصبوا لمكارم الأخلاق كالوفاء بالعهد وحسن الجوار ولمحامد الأفعال كالكرم والإحسان والبر ومحاسن الأمور كالعدل ورفع الضيم والإيمان فإن هذه الأمور هي التي كان يتنافس فيها أهل المجد والشرف وأهل الفروسية والشجاعة من البيوت العريقة والرؤساء الذين تولوا أمور الرعية وقادوها إلى الخير . إنهم كانوا يتسابقون في الأخلاق الطيبة المرغوبة كالإباء والشمم والعفو والصفح والكرم والعقول الراجحة التي كانوا يسيّرون بها رعيتهم فكان الرئيس هو العقل المدبر المصالح قبيلته ، كما كانت لهم أقدار جليلة يحفظونها أي مقامات عالية وكذلك كانت لهم آثار محمودة خلدتهم كالوفاء للسمؤول والكرم لحاتم والبيان لسحبان وهكذا دواليك فإذا كان لا بد من تعصب لشيء فليتعصب الإنسان لهذه الخصال الكريمة . . . ( فتعصبوا لخلال الحمد من الحفظ للجوار والوفاء بالذمام والطاعة للبر والمعصية للكبر والأخذ بالفضل والكف عن البغي والإعظام للقتل والإنصاف للخلق والكظم للغيظ